لم أتصور للحظة أن التاريخ سيجعلني للحظة شاهدا على الانتكاسة العربية الجديدة في لحظة، كنت أتصور كل شيء إلا ما حصل، كنت أنتظر الشهادة على عتبات القدس الشريف، كنت أنتظر أن أكون من بين الجنود الأوائل الذين يفتحون أبواب فلسطين، ويطهرونها من النجاسة الصهيونية، كنت أنتظر أن ينفع دمي ودم أبنائي لتطهير ثاني القبلتين من نجاسة الصهاينة ومن والاهم، كنت أنتظر...وكنت أنتظر...ولا أزال أنتظر، وسأنتظر كما ينتظر الملايين من أحرار الشعب العربي، ولن نسأم الانتظار.
لكنني يا سادتي الحكام العرب، أفقت ذات صباح على وقع ضجيجكم، ولم يسمح لي الضجيج بطهي قهوتي الصباحية، قلت في قرارة نفسي، إن السادة العرب قد قرروا، وما علي وعلى كل عربي أصيل إلا الانصياع والتطبيق.. سادتي العرب أستسمح كرمائكم إن كان من بينكم كرماء، وأستسمح رجالاتكم إن كان من بينكم رجال، وأستسمح نفسي التي أهنتها بالاختلاط بأمثالكم يا سادة، ولا كرام..
وجدتني أتوجه إلى دمشق وحال لساني يقول « ودمع لا يكفكف يا دمشق»
كانت الصدفة، وكانت الحقيقة، فقمة دمشق «العربية» التي انعقدت برغبة من يحبون الموت والفناء للعربي، وكل من يحنّ لرائحة العربي، هذه القمة التي احتضنتها بلاد الشام، وما أدراك ما الشام، ولقدرة إلهية، غاب عنها كل المنتسبين عنوة إلى الجنس العربي من قادة «عرب» هذا الزمان، غابوا عنها وفي ظنهم أنهم استجابوا لرغبة أسيادهم من الأمريكان والصهاينة، ولهم الحق أن يتوهموا ذلك، ما دام أن هؤلاء القادة «منهم»، وما داموا بعيدين عنا، ظننت كل شيء ياسادتي حكام عربهم، ظننت أنكم ستزفّون لنا قرار قمتكم بفتح باب الجهاد والاستشهاد لكل مواطن عربي، كنت أتتوّق لذلك شأني شان الملايين من أبناء الأمة العربية، لكنني لم أكن أتصور للحظة، أنكم يا «قادتنا» يا «قوادونا» أنكم ستخافون حتى من المشاركة في هذه القمة، مثلي وأمثالي من ملايين مواطني العالم العربي، كنا جميعا نتوق ليس لمشاركتكم وحسب، بل لإسهامكم في حلّ مآسينا. لكن بالله على كل عربي، من هم أسباب مآسينا ومصائبنا، أليسوا هم حكامنا، الذين يقاولون لقوى الشر العالمية؟
جمال الدين حبيبي
وهل تكفي عهدة إضافية لتدارك ما ضاع في عهدتين؟
بدأ الحديث عن تعديل الدستور يأخذ منحى تنازليا، في المدة الأخيرة، فبعدما روّجت بعض الأحزاب المقربة من رئيس الجمهورية لما ادّعت أنه تعديل شامل وجذري سيغير تركيبية وميكانيزمات النظام ككل، هاهي اليوم مصادر إعلامية مقربة من جبهة التحرير الوطني، تسرب خبر اقتصار تعديل الدستور على نص المادة 74 فقط التي تحدد للرئيس عهدتين لا غير، فبحسب هذه المصادر أن التعديل الشامل يتطلب وقتا كبيرا، وفتح نقاش موسع في المجتمع المدني لإثرائه، وما تبقى من زمن العهدة الثانية لا يسمح بالقيام بذلك، وإنني ومن موقعي كرئيس حزب سابق حلّته وزارة الداخلية سنة 1998، وكنائب بالبرلمان ورئيس سابق للمجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة الجزائري سابقا، سأصدق هذه المرة تبريرات هذه المصادر، وأضم صوتي لها، لأنه لا يعقل بتاتا تقديم مشروع لتعديل الدستور على الاستفتاء الشعبي دون المرور بالقواعد الشعبية لإثرائه، لكنني ومن موقعي كمواطن جزائري قبل كل شيء، أتساءل عن الأسباب التي منعت رئيس الجمهورية طوال العهدة الأولى، وبعد مرور حوالي 04 سنوات من العهدة الثانية، من عرض مشروع تعديل الدستور، خاصة وأنه لم يتوان حتى في الحملة الانتخابية للعهدة الأولى في الهجوم على الدستور الحالي وكشف تناقضاته وعيوبه؟ فهل الرئيس كان عاجزا عن القيام بهذه المهمة؟ أو أنه فضل مسايرة القوى التي زكته للترشح كمرشح إجماع؟ وأنه فضل كذلك في العهدة الثانية، تفادي الحديث عن تعديل الدستور حتى لا يزعج كذلك الأطراف التي خلقت له القلاقل قبل انتخابات أفريل 2004 ؟
وإذا كان الحال كذلك فما هو الضامن اليوم أن رئيس الجمهورية في حال فوزه بالعهدة الثالثة، بعد تعديل المادة 74 سيقدم على إجراء التعديل الشامل، وتغيير نظام الحكم؟
برأيي أن مستوى الحديث عن التغيير لا يزال في الدرك الأسفل، فشخصيا كنت أفضل أن يطبق رئيس الجمهورية النموذج الجنوب إفريقي، ويحذو حذو الزعيم مانديلا الذي اكتفى بعهدة رئاسية واحدة، وتخلى عن الحكم طواعية، وتحول إلى أفضل سفير لبلاده في المحافل الدولية، السياسية والحقوقية بل وحتى الرياضية، فمنديلا لعب دورا أساسيا في ترشيح بلاده لاستضافة كأس العالم للكرة المستطيلية، وكأس العالم لكرة القدم التي ستستضيفها سنة 2010، وهو اليوم ينظر إليه كأفضل إنسان حكيم في بلده وحتى في الخارج، فعهدة رئاسية واحدة كانت كافية لمنديلا ليحسم مع أمهات القضايا وإرساء أسس المصالحة الوطنية بين السود والبيض، وإذ أقول هذا الكلام فليس بنية مطالبة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعدم الترشح للعهدة الثالثة، فهذا أمر يحسم فيه هو أولا لأنه لم يفصح عن رغبته بشكل رسمي، ويحسم فيه الشعب الجزائري السيّد، لكنني أقول ذلك كله للتذكير بأننا أضعنا وقتا كبيرا، فلا المصالحة تجسدت ولا السلم تحقق، ولا الشعب خرج من دائرة الفقر والبطالة، فهل تكفي عهدة إضافية لتدارك ما ضاع في عهدتين؟
جمال الدين حبيبي
سادتي الكرام، يا حماة أمننا، لا أجد اليوم من عبارات الشكر المناسبة لما قدمتموه لنا من خدمات جليلة، لحمايتنا والسهر على راحتنا، سوى القول لكم لقد نجحتم وبامتياز أيها السادة، فنحن اليوم، والحمد لله ، أصبحنا سادة أنفسنا، نجوع متى نشاء وكيفما نشاء، بدون رقابة منكم، ولا ضغط، فالجوع حق لكل مواطن بدون استثناء، والتشرد أكثر من حق، فآلاف العائلات التي كانت تستوطن الريف، لم تمانعوا على الإطلاق نزوحها لتزاحمكم في مدنكم، وتقيم أكواخها على عتبات قصوركم، فأنتم والحق يقال ، أكبر الديمقراطيين، فأنتم تجيزون لنا الموت بكل حرية واستقلالية على عتبات قصوركم الشريفة إلا منكم، أنتم يا سادة يا كرام لم تمانعوا في أن ينتحر المئات من أبنائنا في البحر، فأنتم الديمقراطيون حتى النخاع، لم تحرموا الشعب من حقه في الموت، فأي سادة أنتم يا سادتنا..؟
لن أجادلكم فيما أنجزتموه ، لأنني وأمثالي لن نجرؤ حتى على مجاراتكم، فأنتم ضلعاء في ميدان تخصصكم ، لكن لتعلموا أنني ومن موقعي كانسان بسيط حارب ظلماتكم، وابن قائد ثوري لم تنجح الآلة الاستعمارية في تركيعه وتوظيفه لتنفيذ مخططاتها الهدامة بحق شعبنا، إنني و وبساطة ، بساطة أدوات ثورتنا المجيدة أقول لكم ولغيركم من الإصلاحيين الذين يريدون مسحنا من خريطة هذا البلد العزيز أقول لن تنجحوا ورب الكعبة فأنتم يا سادتنا يا كرامنا ، أنتم قمة المذلة والمسكنة، ولن تجرؤوا على رؤيتنا حتى لا نقول ملاقاتنا فأنتم الفشل وأنتم الرذيلة، وأنتم حفدة مستعمري الأمس، وثورتنا ولعلمكم لم تنته.
أتوهمتم يا سادة يا كرام أن هذا البلد الذي أنجز أكبر ثورة في تاريخ البشرية سيرضخ لكم... فيا هيهات ...هيهات وهيهات، فإن نوفمبر المجيد بدماء آبائنا والذي يحيى بنا ونحيى به لن ينخدع ولو للحظة بسيناريوهاتكم الرامية إلى بيع ما تبقى من كرامتنا، وعزتنا، نحن سنعيش بالرغم منكم وبالرغم من حلفائكم والتاريخ سيفصل بيننا وبينكم..