بعد مرور قرابة 20 سنة، على فتح أبواب التعددية السياسية في الجزائر، أجد نفسي، أقف وقفة المتأمل فيما تحقق مع هذا الانفتاح، من ربح وخسارة للدولة والشعب الجزائري، والتأمل لا يعني بالضرورة البكاء على الأطلال، وإنما محاولة خلخلة الواقع الراهن بغرض الإسهام في تحريكه وإعادة الحياة له. فوضعنا الراهن، وهذا بإجماع غالبية المشتغلين في الحقل السياسي داخليا وخارجيا، هو أقرب إلى المأساوي من أي شيء آخر، فالتعددية السياسية التي جاءت بعد أحداث أكتوبر 1988، تحولت وبعد مضي قرابة عقدين من الزمن، إلى أخطر نموذج سياسي واحدي، يلغي الآخر ويمحو مصطلحات الاختلاف والتداول السلمي على السلطة من القاموس السياسي، وعوض أن توسع هذه التعددية فضاء الممارسة السياسية، وتوجد لنا مشتلة حقيقية، لصناعة سياسيي المستقبل، وجدنا أنفسنا وللأسف الشديد، نجتر خطابات الواحدية، ونعيد تركيب الخريطة السياسية، بنفس الوجوه ونفس الذهنيات التي سادت قبل «الانفتاح السياسي»، وهذا برأيي ما عجل بإحداث القطيعة بين الشعب ومؤسسات الدولة، من جهة، وبينه وبين المشتغلين والمسترزقين بالسياسة، فالشعب أعلن جهرا طلاقه مع هذه المؤسسات والجمعيات، من خلال مقاطعته لمختلف الاستحقاقات التي عرفتها البلاد، وأخطر من ذلك كله، أن استشراء الفساد والحقرة والمحسوبية، والإقصاء والجهوية ومنطق العروشية، كلها عوامل، جعلت شبابنا يتقيأ أوضاع بلده، ويفضل المقامرة والمغامرة بحياته، للهروب إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وليت هذا الشباب اكتفى بالهروب للتعبير عن سخطه ويأسه من حالة الانحلال السياسي والاجتماعي، ولكنه أضاف إليه شعارات أجهر بها عبر الكتابات الحائطية، شعارات لم أتحمل سماع أحدها الذي يقول« البوطي ولا نسابوطي« فهاهو جيل الشباب اليوم يفضل الموت غرقا على البقاء في بلده، يفضل الانتحار على البقاء لتخريب بلده، إنها لعمري قمة المأساة التي وصلت إليها جزائر المليون ونصف المليون من الشهداء، والمقزز أكثر في سياسة تعامل مسؤولينا مع هذه الظاهرة الخطيرة، أنهم وعند توقيف هؤلاء الحراقة، يقدمونهم إلى المحاكمة وكأنهم اقترفوا جريمة، أو اختلسوا الأموال المكدسة في خزائن الدولة، وبالإضافة إلى إصدار أحكام الحبس بحقهم، يلزمونهم بدفع الغرامة المالية، في وقت تعاملهم الدول الأوروبية التي تعتقلهم، معاملة إنسانية وتعرضهم على الأطباء والخبراء النفسانيين، لتحديد البواعث الحقيقية التي تقف وراء موجات الهجرة السرية أو ما أسميه بالانتحار الجماعي. أليس ما تحقق من التعددية السياسية الصورية، كفيل بدق ناقوس الخطر؟ إنني هنا لا أجرم التعددية، فالتعدد والاختلاف رحمة، لكنه في حال فضائنا السياسي نقمة بأتم ما لهذه الكلمة من معنى، فالتعددية عندنا تحولت إلى تعدد الأطراف الناهبة لخيرات البلاد، وتحولت إلى معول لهدم مؤسسات الدولة، وانتقلت فجأة لتدمير طاقات البلاد الخلاقة، ويؤسفني كثيرا أن الأبواق السياسوية التي تتباكى على البلاد، تحاول دائما رمي أوساخها على مؤسسات الدولة الأمنية، باتهامها بالتقصير في محاربة هذه الظواهر المسيئة للبلاد، ومن موقع المستقيل من التعددية السياسية الصورية، باعتباري لم أنقض قرار حلّ حزب الوحدة الشعبية الذي حلته في وقت سابق وزارة الداخلية، والذي كنت أترأسه آنذاك، أقول أن الأحزاب التي تعتلف بالسياسة هي مصدر الخطر الحقيقي على البلاد، لأنها تعتلف ولا يريبها إن هجر الشعب برمته هذه البلاد، لأنها وببساطة ليست هي التي تسهر الليالي الطوال لمراقبة المترشحين للموت والانتحار، فالساهر والمتحمل لمسؤولية العبث السياسي هم أبناؤنا في أسلاك الأمن المختلفة وعلى رأسهم المنتمين للجيش الوطني الشعبي الذي بات يلعب اضطراريا دور الممحاة لأوساخ السياسيين.
جمال الدين حبيبي