دولة الحق والقانون السبيل السليم لتجاوز الأزمة
في هذا الحوار الذي خصّ به السيد جمال الدين حبيبي رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة سابقا، جريدة المسار العربي، حذّر من محاولات جرّ الدولة إلى التحول إلى دولة "مجرمة" تمارس الأساليب نفسها، التي تمارسها الجماعات التي تتبنى العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة
وأكد على أن الطريق السليم للخروج من الأزمة هو في إقامة دولة الحق والقانون التي تحترم حقوق الإنسان وكرامته، ورأى بأن أي تعديل للدستور لا يستجيب لتطلعات الشعب، سيسهم لا محالة في تدمير ما تبقى من أسس الدولة عندنا.
المسار العربي: عرفت البلاد خلال الأسبوع الماضي، عمليات إرهابية، كبيرة، شكّلت منعرجا أمنيا، حاول البعض من خلاله إدخال البلاد في دورة عنف جديدة، تعيدنا إلى سيناريو سنوات التسعينيات، ما هي قراءتكم لما حدث، وكيف تنظرون إلى المحاولات الهادفة إلى الزج بالدولة ومؤسساتها، في دوامة معالجة العنف بالعنف؟
جمال الدين حبيبي: قبل كل شيء، أود أن أتوجه بالتعازي الحارة لشعبنا الجزائري وبخاصة عائلات ضحايا هذين التفجيرين الإجراميين، اللذين أريد من ورائهما تفجير السلم والاستقرار، وبرأيي أن ما حدث يجب أن يدفعنا إلى تشريح وضعية البلاد في شتى المجالات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، لأنه لا يعقل برأيي أن نحصر مرض البلاد وعلتها في الوضع الأمني فقط، فما حدث وبالنظر إلى حجمه وتوقيته، يجعلني أجزم بأن الخلل أصاب ميكانيزمات تسيير البلاد وإدارتها، والخلل هذا وللأسف الشديد يدفع ثـمنه الشعب الجزائري بالدرجة الأولى، فبرأيي أن المواطن الجزائري أصبح يعيش وضعا شبيها بالوضع الاستعماري، فهو مستهدف من جهات عدة، وهذا ما تؤكّده الاستهدافات التي تتزامن وبشكل غير بريء مع أحداث سياسية وصراعات أهل العصب.
وإنني وبصراحة، أجد نفسي مدفوعا وبقوّة لإدانة كل أشكال العنف وكل دعوات ممارسة العنف المضاد، أو ما يصطلح عليه بنقل الرعب إلى الجهة الأخرى، لأن مثـل هذه الدعوات تضمر نية خبيثـة في وأد أسس الدولة قبل أي شيء آخر، فهؤلاء يحرّضون الدولة على التحول إلى دولة مجرمة تدوس القوانين والحريات، وأنا بالمقابل أحرّضها على التحضر، والذهاب بعيدا في تجسيد دولة الحق والقانون، لأن ذلك هو السبيل الوحيد والسليم لتجاوز الأزمة، وتطليق ثـقافة العنف الدخيلة على شعبنا المسالم.
المسار العربي: من هذا المنطلق، يبدو أنكم تفسّرون سبب تنامي وتواصل العنف بخروج قطار الدولة عن سكة القانون؟
جمال الدين حبيبي: قبل الإجابة عن هذا السؤال، أودّ لو أنه طرح على شكل استفتاء على الشعب، أو أنه طرح في إطار استطلاع للرأي، فالنتيجة ستلخّص إجابتي لا محالة، فلا أظن أن هنالك مواطنا جزائريا سيجرؤ على القول بأننا في دولة الحق والقانون، اللّهم إلا إذا كان ينتمي لجماعة المستفيدين من الوضع الراهن، فدولة القانون تم تغييبها منذ بداية الأزمة السياسية في البلاد، بل وتمّ التنكيل بها طوال العشرية الحمراء، وهي لا تزال في غرفة الإنعاش إلى وقتنا هذا.
المسار العربي: ما دام أن علّة البلاد هي في تغييب دولة القانون كما تقولون، فما هو السبيل الأنجع لمداواتها برأيكم؟ وهل يقتضي ذلك تعديل الدستور الجزائري؟
جمال الدين حبيبي: برأيي أن تعديل الدستور سوف يبقى عديم الفعالية إن لم يقترن بإصلاح الدولة ككل، ووضعها على سكة الحق والقانون، فالتعديل إن كان يصبو إلى إجراء إصلاحات جوهرية في نظام الحكم بغاية بناء دولة القانون، فإنه سيشكّل بنظري أحسن وصفة للعلاج، أما إذا كان الغرض منه خدمة مصالح جماعات معيّنة، أو تسيير مرحلة مؤقتة، فإنه سيسهم في تدمير ما تبقى من مفهوم الدولة عندنا، إنني بحكم ممارستي في وقت سابق لسلطة التشريع سواء في المجلس الانتقالي أو مجلس الأمة، سبق لي أن تقدّمت بمذكرات عديدة من بينها تلك التي تقدمت بها باسم حزب الوحدة الشعبية، سنة 1996، والتي أكدت فيها أن عملية مصيرية، كتعديل الدستور، يجب تأخيرها إلى حين إتمام إقامة مؤسسات الدولة، حتى تكون الشرعية كاملة، في كل جوانبها ولا يسجل علينا أنه تمت مراجعة الدستور في غياب معظم المؤسسات الدستورية للبلاد، واليوم وما دام أن هذه المؤسسات موجودة وجودا فعليا، رغم أنها لا تمارس كامل وظائفها، فإن التفكير في تعديل الدستور يجب أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من تحديد ما الذي نتوخاه من هذا التعديل، والإجابة عن هذا السؤال تقتضي الرجوع إلى إرادة الشعب السيّدة، ومعرفة ما الذي يريده الشعب، والوصول إلى معرفة كل ذلك يستلزم فتح نقاش وطني واسع، لا يستثـني أية فئة أو حساسية سياسية، لأن إصلاح الدولة هو همّ ومسؤولية مشتركة للجميع، وبرأيي أنه إذا كان من صلاحيات رئيس الجمهورية أن يقترح تعديل الدستور الجزائري، فإنه من المنطقي أن يستكشف قبل كل شيء طموحات الشعب الجزائري، والاستكشاف عن طريق فتح أبواب النقاش، سيجعل من الشعب شريكا أساسيا في صياغة هذا الدستور، وهذا ما سيضمن له الاحترام والالتزام بمبادئه ونصوصه، وبالتالي تجسيد طموحات الشعب، وأضيف هنا كذلك بأن أي تعديل مرتقب يتوجّب منطقيا أن يأتي ليضيف لبنات جديدة في صرح الديمقراطية، والتعدّدية السياسية الحقيقية، ويعزّز ضمانات حماية حقوق الإنسان بالدرجة الأولى، لأن قسطا كبيرا من أسباب الأزمة عندنا، تمثّل في الخروقات الفاضحة لحقوق الإنسان، التي أسست لمنطق "الحفرة"، وانتهاك حرمة المواطنين، بل إنها وصلت إلى حد المساس بحق الشعب في العيش الكريم، فشخصيا لا أجد مبرّرا لمواصلة الدولة سياسة تفقير المواطنين في وقت فاضت فيه خزائنها بعشرات المليارات من الدولارات، إن الحق في العيش بكرامة، هو الذي يعيد بناء الثـقة بين الدولة ومواطنيها، وهو الذي سيسهم في القضاء نهائيا على شتّى أنواع العنف، لأن العيش بكرامة لن يتم إلا بمحاربة "الحفرة" والفساد والرشوة والتهميش والمحسوبية... وهي كلها مظاهر فاسدة تؤدي إلى تنامي العنف الذي نعيشه اليوم، والذي يراد للدولة أن تدخل من جديد في دورة جديدة منه، تعيد رسم مآسي التسعينات، وتفتح المنافذ للمستفيدين منه لاستنزاف خيرات وثـروات البلاد، وتجرّ مرة أخرى المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، إلى مستنقع سيكلفها بذل تضحيات إضافية لاستعادة السلم الذي يمكن تحقيقه بوسائل أخرى، وشخصيا لا أشك لحظة في أن مؤسسة الجيش واعية تمام الوعي بحجم المؤامرة التي تستهدف البلاد، وأنه سوف لن تنزلق إلى فخّ المؤامرة، لأنها وبحكم تجربتها، تعرف من أين تهبّ رياح العنف الجديدة.
جمال الدين حبيبي في حوار صريح مع المسار العربي
«كنا من الأوائل الذين نددوا بالفساد»
حبيبي رئيس حزب الوحدة الشعبية المحل، ورئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة سابقا، لخص السيد حبيبي أسباب ابتعاده عن الساحة السياسية، وفي الوقت نفسه سعى إلى إبداء موقفه من أهم قضايا الساعة، كالانتخابات التشريعية الفارطة، وموعد الاستحقاقات المحلية القادمة، إضافة إلى تبيان موقفه من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
س//
لماذا انسحبتم من الساحة السياسية، وفضلتم البقاء بعيدا عن مسرح الأحداث؟
ج//
بفعل تجربتي السياسية المتواضعة، يمكنني القول بأن رؤية الأوضاع تصبح أكثر وضوحا، بالنسبة للرجل السياسي عندما يكون خارج المعترك السياسي، مقارنة بوجوده في قلب الأحداث، فالتراجع إلى الوراء حتى في ميدان الحرب لا يمكن اعتباره انسحابا، وإنما يندرج في إطار إستراتيجية المواجهة، وتراجعي عن الممارسة السياسية، لعلمكم، كان نتاجا حتميا لعدة معطيات موضوعية، أولها أن الحزب الذي أسسته، وهو الوحدة الشعبية، الذي كان من بين الأحزاب الأولى التي ظهرت مع بداية التعددية السياسية، تمّ حله في شهر مارس 1998عندما كنت متواجدا بسويسرا قصد العلاج، وقد أدركت وقتها، أن الحزب أزعج بقوة بعض الأوساط الفاعلة التي كانت تراهن على إدامة الأزمة والمأساة الوطنية، لضمان استمرار استفادتها من الريع، ولو على حساب جماجم المواطنين، ويكفي هنا أن أشير إلى أن حزب الوحدة الشعبية كان أول من دعا إلى فتح الحوار مع قيادة الفيس المحل، وخلال أحد اللقاءات الذي جمعني برئيس الدولة آنذاك ليمين زروال دعوته إلى إطلاق سراح قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، وغلق معتقلات العار، وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، وإرجاع العمال المفصولين إلى مناصب عملهم، وبالمناسبة أحيي الرئيس زروال على مواقفه تجاه الأحزاب والفعاليات السياسية، فقد كان بحق رجل الحوار الوطني، لكن الظروف العامة للبلاد، لم تسمح له بالتحرك بسرعة، لتحقيق برنامجه، وإضافة إلى الإزعاج الذي خلقه حزبنا في الأوساط المستفيدة من مأساة البلاد، فقد كنا من الأوائل الذين نددوا بالفساد الاقتصادي، وقد حركت شخصيا ملف فضائح العقار وبالأخص في وهران، وسلمت ملفا حول هذه الفضائح، إلى رئيس الجمهورية السيد ليمين زروال شخصيا، وصرحت في الوقت ذاته على صدر الصفحات الأولى لبعض الجرائد الوطنية، بأن هنالك، 06آلاف بابلو اسكوبار في الجزائر، يشكلون مافيا مالية، تستحوذ على خيرات البلاد، وتتحكم في القطاعات الاقتصادية الحساسة، هذه التصريحات، التي وصفت بالنارية، وبعضهم اعتبرها مبالغ فيها، أثبت الزمن، أنها لم تعكس بدقة الحجم الكبير والخطير للفساد الذي عشّش في البلاد، وتحوّل إلى أخطبوط، التفّ على كل المؤسسات، والميادين الاقتصادية وحتى السياسية، وإحقاقا للحق، لا يفوتني التذكير، بأن رئيس الجمهورية الأسبق السيد الشاذلي بن جديد الذي عشنا في عهده أوج الانفتاح السياسي، كان دائما يصغي لنا، ويشركنا في الحوار الوطني، ولم نكن نتوجس منه إلا كل الخير للوضع السياسي، فعلى عهده نشأت التعددية السياسية، واتسعت بشكل أقلق العديد من البلدان العربية وبلدان الجوار، وصراحة، إنني أعتبر تلك الفترة، فترة ذهبية، نحنّ جميعا لعودتها.
س//
إذن من هذه الزاوية فأنتم تنفون انسحابكم من ممارسة السياسة، لكن البعض يقول بأن نشاطكم تقلص بعد مغادرتكم لمجلس الأمة؟
ج//
إنني مجاهد قبل كل شيء وولدت وترعرعت في بيت لا يزال يحافظ على ذكرى وقدسية الثورة المباركة، وبحكم ذلك، لا أجد نفسي مجبرا على تقديم الأدلة، على بقائي في قلب المعترك النضالي، فمروري عبر منصب رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي، لا يمكن أن يشكل أهم محطة في حياتي السياسية، والدليل على ذلك هو أنني غادرت مجلس الأمة طواعية وبرغبتي، وقبل انتهاء عهدتي بحوالي سنة ونصف، وبالرغم من إلحاح السيد العربي بلخير مدير ديوان رئيس الجمهورية آنذاك، والسيد عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة، إلحاحهما علي بالرجوع إلى العاصمة، إلا أنني ومع كامل احترامي لهما، فضلت البقاء في بيتي بوهران، ولم أنقطع بالرغم من ذلك عن متابعة كل التطورات السياسية الوطنية والدولية، بل وكنت دائما أعبر عن مواقفي تجاه مستجدات الأحداث عبر الإعلام الوطني، والحقيقة أن ابتعادي عن المؤسسات الرسمية حرّرني من التزامات واجب التحفظ، وقد قلت موقفي صراحة في أمهات القضايا الوطنية والدولية.
س//
اليوم، وأنتم تصرحون بأنكم لازلتم تمارسون وجودكم السياسي على الساحة، كيف تقيمون الوضع السياسي الراهن، خاصة مع تجربة تشريعيات 19 ماي الماضي، واقتراب موعد إجراء الانتخابات المحلية؟
ج//
قبل كل شيء يجب أن نتساءل عن طبيعة وهوية الوضع السياسي الراهن، هل هو ينتمي أصلا إلى الفضاء السياسي، ويتم التحدّث فيه بأبجديات اللغة السياسية؟ أم أن ما نراه، ما هو إلا واجهة مزيفة للسياسة، أو بالأحرى مسرحية حول السياسة تلعب في ركح بعيد عن الجمهور، لأنني لم أفهم البتة كيف أن الحملة الانتخابية لتشريعيات 19 ماي الماضي، مرت في ظروف فاترة إن لم أقل جامدة، فأجواء الحملة، أكدت لي بأن اللعبة تدور في مكان لا يحق فيه للمواطن أن يتمتع حتى بمتعة المشاهدة، وإجراء مسرحية، بعيدا عن الأضواء وبعيدا عن الجمهور، يثبت بأن الواقفين وراءها، ومخرجيها لا يعيرون أي اعتبار للمداخيل الشعبية، أي مداخيل الجمهور المغيب عن الفرجة، لأنني بصراحة لم يسبق لي أن تابعت حملة باردة وهادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، كحملة التشريعيات الماضية، فالبرودة تعكس إما نفور الشعب من الانتخاب، أو نفور السلطة من الشعب، وفعلا تحقق الأمران دفعة واحدة، فالشعب حقق أعلى نسبة للمقاطعة، والسلطة فازت بمجلس شعبي وطني بلا تصويت الشعب، فالجانبان ارتاحا للوضع، فلا الشعب سيجبر عل التدليل بأن هذا المجلس لا يمثله، ولا السلطة ستعاني في إقناع الشعب بتمثيل المجلس له، ومن موقعي كممثل للشعب في أوقات سابقة، من واجبي دق ناقوس الخطر، والتحذير من عواقب حالة الطلاق هذه، لأن عواقبها لا قدر الله ستكون وخيمة على الطرفين، وبمقدورها رهن سيادة البلاد.
أما عن موعد الانتخابات المحلية المقبلة، فلا أرى شخصيا إلا أنه سيجسد بدقة الفصول الإضافية للمسرحية السياسية التي تعرض بعيدا عن الجمهور، ومن واجبي كذلك بل ومن المفروض علي أن أنبه مرة أخرى إلى أن مواصلة اللعب السياسي بهذا الشكل، سيفقدنا أي أمل في بناء الثقة المفقودة أصلا بين الدولة ومواطنيها، والتي كان من أبرز تداعياتها، ولادة العنف الأعمى الذي ساد طوال العشرية الحمراء، والذي بات يهدد بالعودة ليعصف بما تبقى من السلم الاجتماعي، إنني لا أحاول تيئيس الشعب الجزائري، كما لا أبتغي ترهيبه، لكن سيناريو اللعبة الحالي، ينذر بقرب حدوث الكارثة، وإعلان الطلاق البيّن بين الدولة وشعبها، فالشعب همش صوته في الغرف العليا، أي البرلمان، ومن غير المقبول أن يذعن لمحاولات تهميشه في تسيير أموره المحلية، المرتبطة بحياته وهمومه اليومية، فهذا بنظري يمثل قمة الحماقة السياسية، ولا يمكن بأي حال السكوت عنه، فالجزائر التي ضحى خيرة أبنائها وبناتها من أجل استقلالها وعزتها وكرامتها، لا يعقل أن تعيش على الإطلاق صراعا بين مواطنيها ومؤسسات دولتهم المستقلة، اللهم إلا إذا كان ذلك من تخطيط أعداء هذا الشعب الذين، أنفقوا طاقتهم في محاولة تسفيه تاريخ الثورة المجيد، وإظهار المستعمر الفرنسي على أنه أتى لتحرير الجزائر، كما هو مدون في كتاب مادة التاريخ للسنة الابتدائية الخامسة، هذا الكتاب الذي تم بتره من المقطع الذي يذكّر فرنسا بالحساب،. فلعمري ما كنت ارتقب اليوم الذي، أحسّ فيه كجزائري بالحرج في تذكير المستعمر بجرائمه، لكن شاءت إرادة مستعمر الأمس وأذنابه اليوم أن نبرر أفعال ممارسة السيادة الوطنية، ونقدمها على أنها لا تمثل فعلا عدائيا لهؤلاء المغتصبين لبلدنا... فما الذي تنتظرون منّي أن أدلي به؟
أتريدونني أن أبرئ مجرمي الأمس؟ وأتواطأ مع مصاصي دم الشعب؟
ذلك لعمري ما لا أقدر عليه، خلاصة قولي لما عايشته، من سيناريوهات الممارسة التعددية، هو أننا لم نع بعد أننا لم نقطع مع ممارسات الماضي الأحادية، فشخصيا لا تخيفني فرنسا بسياسات الاحتواء التي تمارسها، بقدر ما تخيفني المؤامرات الداخلية التي تسعى إلى تشويه ذاكرة الشعب الجزائري، وتسفيه تاريخه المجيد، والتي تنفذها مؤسسات تابعة لسلطة الدولة، فكيف يعقل أن تشوه ثورتنا المباركة ومجاهديها الأبطال، في كتبنا المدرسية، إنني لا أجد أي مبرر لما حدث ويحدث، سوى كونه من صنيع جنس فرنسا عندنا في الجزائر، الذي تخفى أعضاؤه وراء ازدواجية الجنسية، ليصلوا إلى احتلال مناصب حساسة في الدولة، مكنتهم وللأسف الشديد من تنفيذ مؤامراتهم ودسائسهم، في وضح النهار وعلى مرأى الجميع. فاللغة العربية التي تعتبر في الدستور لغة وطنية ورسمية، أصبحت بفعل الدسائس، تترك مكانتها للغة الفرنسية، في الإدارات العمومية، والمدارس والثانويات والجامعات، وحتى في وسائل الإعلام الثقيلة كالإذاعة والتلفزيون.
والخلاصة بعد استعراض ما سبق ذكره هو أن وضع البلاد، لا يبشر بالخير، وحان الوقت لتحرك القوى الوطنية، للدفاع عن مكتسبات الأمة، بكل الطرق القانونية والحضارية، والسلمية، لأنه من العار علينا جميعا أن نبقى ننظر للوضع كمتفرجين، ونترك أعداء الجزائر يواصلون تنفيذ مخطط «الفسخ والمسخ والنسخ» كما وصفه الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله.
س//
لنعد من جديد إلى الوضع السياسي والاقتصادي الراهن، فبنظركم ما الذي يجب فعله للخروج من دائرة الأزمات، لضمان الانطلاق بقوة في تنمية واقعنا الراهن، ومستقبل الأجيال القادمة؟
ج//
سبق لي أن قلت بأنني لا أود ترهيب الشعب الجزائري، وتيئيسه من المستقبل، فالجزائر التي انتصرت بثورتها المجيدة، وتحولت إلى منارة تضيء الطريق للشعوب المستعمرة، للوصول إلى الاستقلال والتحرر، لن تكون عاجزة عن الانطلاق من جديد، لكن الانطلاقة تتطلب طاقة كبيرة، ونية مخلصة لتحقيقها، فيكفي أن نسترجع ثقة الشعب في مؤسساته، لتحقيق قفزة نوعية، واسترجاع الثقة يكون بالضرورة في إشراك الشعب في ممارسة السيادة، والسلطة، وفي إعادة تثمين مكاسبنا الثورية، التي ضحى من أجلها مليون ونصف المليون من الشهداء الأبرار، وإعادة التثمين يجب أن تنطلق من تخليص منظومتنا السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها من أيدي العابثين بها من أذناب الاستعمار الفرنسي قبل كل شيء، وأقترح هنا تشريع قانون يمنع مزدوجي الجنسية من تولي المسؤوليات الحساسة في البلاد، كما أنه يتوجب علينا إعادة النظر في أساليب معالجة الأزمات، فالأزمة الأمنية على سبيل المثال لم نتمكن من الحسم معها برغم المجهودات الجبارة التي قام بها الجيش الوطني الشعبي، ومختلف أسلاك الأمن، لأن هذه المجهودات، لم يرافقها عمل سياسي جاد، بل إن ما حصل هو أن غالبية السياسيين تاجروا بالوضع الأمني لتحقيق مآربهم الخاصة، كما أن أزمة البطالة التي استفحلت بقوة، ودفعت بأمواج الشباب البطال إلى المغامرة بحياتهم للهروب عبر قوارب الموت إلى أوروبا، لم يتم التكفل بها بالشكل المطلوب، وتحولت إلى مجرد مطية يركبها السياسيون لشراء ودّ الشباب في المواعيد الانتخابية فقط، وبرأيي أن حل أزمة البطالة يتجسد في تحريك الوضع الاقتصادي ككل، وتحقيق تنمية شاملة تحول بلدنا إلى بلد منتج للثروات لا مجرد مستهلك لها.. وكل ذلك لن يتحقق اذا لم نصل إلى تحقيق تمثيل صحيح للشعب في المجالس المنتخبة التي تعد أداة رقابة الشعب على عمل الحكومة.. وأختم كلامي بالقول، أن من يعيش سوف يرى..
