رغم أنني استطعت دائما أن أجد تفسيرات لعمليات النهب المنظم لثروات وخيرات البلاد، إلا أنني اليوم أقف عاجزا أمام فهم ما يحدث، من عمليات اختطاف لأطفالنا وفلذات أكبادنا، فلا يمر يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام على أخبار اختطاف أطفال في عمر الزهور، فبعاصمة الغرب الجزائري وهران، أجبر الآباء والأمهات على فرض مراقبة دقيقة لتحركات أطفالهم، ومصاحبتهم إلى المدرسة، وانتظارهم عند الخروج منها، خشية أن تطالهم يد المختطفين، والغريب في الأمر أنه وبرغم خطورة هذه الظاهرة، إلا أن السلطات المعنية بأمننا وأمن أولادنا، لم تقم بأي تحرك، في مستوى خطورة ما حدث ويحدث، وفضلت التكتم عليه. ما حدث بعاصمة الغرب الجزائري وهران، اختزل بنظري كل حالات التسيب التي تعيشها البلاد، فنحن كمواطنين، لم نثر على أولي الأمر لما نهبوا وسرقوا ثرواتنا وخيراتنا، وقلنا في قرارة أنفسنا، أنه سيأتي اليوم الذي يشعرون فيه بالتخمة، ويكفوا عن عمليات النهب، ولم يضرنا استيلاء هؤلاء على مؤسسات الدولة، ومصادرتهم لإرادة الشعب، وقلنا كذلك أنه سيأتي اليوم الذي تعود فيه السيادة للشعب، لأن التاريخ عودنا على ذلك، لكننا اليوم نقول أن التاريخ لم يعودنا في أي مراحله، على أن نكون شهداء على ظاهرة أغرب وأمقت من ظاهرة الرق والاستعباد، ظاهرة تقززنا في بشريتنا، وتجعلنا نغار من عالم الحيوانات، فأي عقل بشري يمكنه أن يتصور أنه سيأتي اليوم الذي يتحول فيه الأطفال إلى موضوع للبزنسة والسرقة والمتاجرة، هذا لعمري ما لم يكن ليخطر ببالي أبدا، لكن وللأسف الشديد، فان أطفال الجزائر باتوا يختطفون، أمام مرأى السلطات، إما بغرض المتاجرة فيهم، أو بغرض تحويلهم إلى قطع غيار، فبعض المصادر الإعلامية تحدثت عن استغلال الأطفال المختطفين، في مجال إيجاد الأعضاء البديلة، في عمليات غرس الأعضاء، أي تحويلهم إلى خزان لقطع الغيار البشرية، وهذا برأيي قمة التوحش والبربرية. هذه الظاهرة الخطيرة جعلتني، أعيد كل الحسابات والتحاليل، وأتساءل عن مستقبل بلد، طالت فيه أيادي النهب كل شيء وتاجرت فيه بأعراضنا وكرامتنا، ولم تكتف بكل ذلك، لتنتقل إلى المتاجرة في أبنائنا، فأي مستقبل لبلد، يتحول فيه أطفاله إلى بضاعة للبيع والشراء؟ فأي دولة هذه، ولأي شعب تنتسب؟؟؟
جمال الدين حبيبي
حررناها من فرنسا فمن الذي استعمرها؟
لم ولن أتفاجأ بسماع خبر احتلال الجزائر المرتبة الأولى عربيا في هجرة الكفاءات والأدمغة، كما أني لم أتفاجأ لتحول بلادي من بلد عبور للأفارقة الراغبين في الفرار إلى أوروبا، إلى أكبر بلد وأول بلد مصدر للحراقة، ومع أني لم أتفاجأ لكل ذلك إلا أن صدمتي كانت أكبر وأشد، فكيف بأبناء بلد المليون ونصف المليون من الشهداء، من الكفاءات وغير الكفاءات، يتسابقون على الفرار من بلدهم... تلكم والله قمة النكسة والنكبة.. فلم كل هذه التضحيات التي قدمها آباؤنا وأجدادنا؟ أمن أجل أن ننفر أبناءنا من جزائرهم، وقد روى آباؤهم تربتها الطيبة بدمائهم الزكية؟؟ لعمري إن ما حققه مسؤولونا لفرنسا الاستعمارية، لم يحققه لها مئات الآلاف من الجنود الذين بعثت بهم إلى الجزائر منذ 1830 والى غاية تحقيق استقلالنا، وهذه هي حقيقة الخيانة لرسالة الشهداء.. فأن ينجح «جزائريون» في تنفير جزائريين من بلدهم، فهو ما لم أكن أتوقع حصوله على الإطلاق، فشعب حافظ على هويته وشخصيته، وعمقه الحضاري ووحدته مع رموزه التاريخية طوال قرن و32 من الاحتلال الفرنسي، لم يصمد لأقل من نصف قرن أمام مؤامرات المحتلين الجدد الذين هم وللأسف يدّعون انتسابهم لهذا الشعب. فأي منطق هذا، وأية قوة هذه التي نجحت في سلخ الجزائريين من جزائريتهم؟ هنا أستحضر وبقوة، لحظات جد مؤثرة عشتها مع والدي رحمه الله القائد الثوري ميلود حبيبي، في 24 جوان 1964 عندما حمل سلاحه من جديد والتحق بجبال بني شقران، ليعاود مسلسل الجهاد من جديد، وعندما سألته، عن سرّ عودته لحمل السلاح، أجابني، بقوله:«كنا نحارب الاستعمار الفرنسي، ولم نكن نتصور إطلاقا أن هنالك استعمارا آخر يتربصّ بنا في بيتنا ، الجزائر..» هذه الحادثة دفعت بوالدي رحمه الله إلى العودة للجبل، وأرغمتني على الهروب خارج البلاد، وألقت بأخي الأكبر المجاهد الصادق في السجون، وشهدت وبشهادة مجاهدي معسكر المجاهدة، استشهاد مجاهدين على عتبة بيت والدي القائد ميلود حبيبي رحمه الله. ما حدث في هذا اليوم المشؤوم لم تتجرأ حتى فرنسا الاستعمارية على القيام به، رغم أنه أعلن ثورته عليها منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي، وما حدث آنذاك لم أجد له تفسيرا، إلا في أيامنا هذه عندما توالت عليّ أخبار انتحارات الشباب، وإصرارهم على مواجهة مخاطر البحر، لتحقيق حلم الهروب من الجزائر.. أفهذا هو الاستقلال الذي حلمنا به وضحى من أجله خيرة أبناء هذا الشعب؟ تساؤلات محيرة وعديدة، لا يمكن الإجابة عنها إلا بالنبش في ماضي الثورة المباركة، وإظهار جوانب الظل فيها، وهذا ما أعدكم بالرجوع إليه بالتفصيل لاحقا...
جمال الدين حبيبي


الرسالة
من جبال بني شقران المجاهدة ومن قلب مهد الثورة، مهد الأمير عبد القادر الجزائري، أوجه هذه الرسالة إلى كل جزائري غيور على بلده ، بلد المليون ونصف المليون من الشهداء، لأقول له ضع يدك في يد الشرفاء من شعبنا الأبي، لنواصل ثورة تحرير الجزائر من براثين الفساد والإفساد، ثورة لا مكان فيها للعنف، ثورة تستمد قوتها من قيم التسامح والايخاء، التي عملت قوى الشر على محوها من ثقافتنا وتقاليدنا، لتزج بالجزائر في دوامة العنف، وتفتح لها بذلك ثغرات للعب بمصير البلاد والعباد، واستنزاف خيرات الشعب. إننا اليوم نسمع الكثير عن إصلاح الدولة وتعديل الدستور، من قبل جهات هي التي كانت وراء إفساد البلاد، وإنني بصراحة أقول لهؤلاء أصلحوا أنفسكم قبل الدعوة إلى إصلاح البلاد، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنتم وكما يعرف الجميع لا تملكون أية صفة من صفات المصلحين، وكل ما عهدناه فيكم هو تفننكم في النفاق والضحك على أذقان الشعب، فاتركوا بالله عليكم هذا الشعب لحاله فهو أفضل له من إصلاحاتكم التي حولتم فيها أبناء الشعب إلى فئران تجارب لوصفاتكم القاتلة.
جمال الدين حبيبي
دولة الحق والقانون السبيل السليم لتجاوز الأزمة
في هذا الحوار الذي خصّ به السيد جمال الدين حبيبي رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة سابقا، جريدة المسار العربي، حذّر من محاولات جرّ الدولة إلى التحول إلى دولة "مجرمة" تمارس الأساليب نفسها، التي تمارسها الجماعات التي تتبنى العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة
وأكد على أن الطريق السليم للخروج من الأزمة هو في إقامة دولة الحق والقانون التي تحترم حقوق الإنسان وكرامته، ورأى بأن أي تعديل للدستور لا يستجيب لتطلعات الشعب، سيسهم لا محالة في تدمير ما تبقى من أسس الدولة عندنا.
المسار العربي: عرفت البلاد خلال الأسبوع الماضي، عمليات إرهابية، كبيرة، شكّلت منعرجا أمنيا، حاول البعض من خلاله إدخال البلاد في دورة عنف جديدة، تعيدنا إلى سيناريو سنوات التسعينيات، ما هي قراءتكم لما حدث، وكيف تنظرون إلى المحاولات الهادفة إلى الزج بالدولة ومؤسساتها، في دوامة معالجة العنف بالعنف؟
جمال الدين حبيبي: قبل كل شيء، أود أن أتوجه بالتعازي الحارة لشعبنا الجزائري وبخاصة عائلات ضحايا هذين التفجيرين الإجراميين، اللذين أريد من ورائهما تفجير السلم والاستقرار، وبرأيي أن ما حدث يجب أن يدفعنا إلى تشريح وضعية البلاد في شتى المجالات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، لأنه لا يعقل برأيي أن نحصر مرض البلاد وعلتها في الوضع الأمني فقط، فما حدث وبالنظر إلى حجمه وتوقيته، يجعلني أجزم بأن الخلل أصاب ميكانيزمات تسيير البلاد وإدارتها، والخلل هذا وللأسف الشديد يدفع ثـمنه الشعب الجزائري بالدرجة الأولى، فبرأيي أن المواطن الجزائري أصبح يعيش وضعا شبيها بالوضع الاستعماري، فهو مستهدف من جهات عدة، وهذا ما تؤكّده الاستهدافات التي تتزامن وبشكل غير بريء مع أحداث سياسية وصراعات أهل العصب.
وإنني وبصراحة، أجد نفسي مدفوعا وبقوّة لإدانة كل أشكال العنف وكل دعوات ممارسة العنف المضاد، أو ما يصطلح عليه بنقل الرعب إلى الجهة الأخرى، لأن مثـل هذه الدعوات تضمر نية خبيثـة في وأد أسس الدولة قبل أي شيء آخر، فهؤلاء يحرّضون الدولة على التحول إلى دولة مجرمة تدوس القوانين والحريات، وأنا بالمقابل أحرّضها على التحضر، والذهاب بعيدا في تجسيد دولة الحق والقانون، لأن ذلك هو السبيل الوحيد والسليم لتجاوز الأزمة، وتطليق ثـقافة العنف الدخيلة على شعبنا المسالم.
المسار العربي: من هذا المنطلق، يبدو أنكم تفسّرون سبب تنامي وتواصل العنف بخروج قطار الدولة عن سكة القانون؟
جمال الدين حبيبي: قبل الإجابة عن هذا السؤال، أودّ لو أنه طرح على شكل استفتاء على الشعب، أو أنه طرح في إطار استطلاع للرأي، فالنتيجة ستلخّص إجابتي لا محالة، فلا أظن أن هنالك مواطنا جزائريا سيجرؤ على القول بأننا في دولة الحق والقانون، اللّهم إلا إذا كان ينتمي لجماعة المستفيدين من الوضع الراهن، فدولة القانون تم تغييبها منذ بداية الأزمة السياسية في البلاد، بل وتمّ التنكيل بها طوال العشرية الحمراء، وهي لا تزال في غرفة الإنعاش إلى وقتنا هذا.
المسار العربي: ما دام أن علّة البلاد هي في تغييب دولة القانون كما تقولون، فما هو السبيل الأنجع لمداواتها برأيكم؟ وهل يقتضي ذلك تعديل الدستور الجزائري؟
جمال الدين حبيبي: برأيي أن تعديل الدستور سوف يبقى عديم الفعالية إن لم يقترن بإصلاح الدولة ككل، ووضعها على سكة الحق والقانون، فالتعديل إن كان يصبو إلى إجراء إصلاحات جوهرية في نظام الحكم بغاية بناء دولة القانون، فإنه سيشكّل بنظري أحسن وصفة للعلاج، أما إذا كان الغرض منه خدمة مصالح جماعات معيّنة، أو تسيير مرحلة مؤقتة، فإنه سيسهم في تدمير ما تبقى من مفهوم الدولة عندنا، إنني بحكم ممارستي في وقت سابق لسلطة التشريع سواء في المجلس الانتقالي أو مجلس الأمة، سبق لي أن تقدّمت بمذكرات عديدة من بينها تلك التي تقدمت بها باسم حزب الوحدة الشعبية، سنة 1996، والتي أكدت فيها أن عملية مصيرية، كتعديل الدستور، يجب تأخيرها إلى حين إتمام إقامة مؤسسات الدولة، حتى تكون الشرعية كاملة، في كل جوانبها ولا يسجل علينا أنه تمت مراجعة الدستور في غياب معظم المؤسسات الدستورية للبلاد، واليوم وما دام أن هذه المؤسسات موجودة وجودا فعليا، رغم أنها لا تمارس كامل وظائفها، فإن التفكير في تعديل الدستور يجب أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من تحديد ما الذي نتوخاه من هذا التعديل، والإجابة عن هذا السؤال تقتضي الرجوع إلى إرادة الشعب السيّدة، ومعرفة ما الذي يريده الشعب، والوصول إلى معرفة كل ذلك يستلزم فتح نقاش وطني واسع، لا يستثـني أية فئة أو حساسية سياسية، لأن إصلاح الدولة هو همّ ومسؤولية مشتركة للجميع، وبرأيي أنه إذا كان من صلاحيات رئيس الجمهورية أن يقترح تعديل الدستور الجزائري، فإنه من المنطقي أن يستكشف قبل كل شيء طموحات الشعب الجزائري، والاستكشاف عن طريق فتح أبواب النقاش، سيجعل من الشعب شريكا أساسيا في صياغة هذا الدستور، وهذا ما سيضمن له الاحترام والالتزام بمبادئه ونصوصه، وبالتالي تجسيد طموحات الشعب، وأضيف هنا كذلك بأن أي تعديل مرتقب يتوجّب منطقيا أن يأتي ليضيف لبنات جديدة في صرح الديمقراطية، والتعدّدية السياسية الحقيقية، ويعزّز ضمانات حماية حقوق الإنسان بالدرجة الأولى، لأن قسطا كبيرا من أسباب الأزمة عندنا، تمثّل في الخروقات الفاضحة لحقوق الإنسان، التي أسست لمنطق "الحفرة"، وانتهاك حرمة المواطنين، بل إنها وصلت إلى حد المساس بحق الشعب في العيش الكريم، فشخصيا لا أجد مبرّرا لمواصلة الدولة سياسة تفقير المواطنين في وقت فاضت فيه خزائنها بعشرات المليارات من الدولارات، إن الحق في العيش بكرامة، هو الذي يعيد بناء الثـقة بين الدولة ومواطنيها، وهو الذي سيسهم في القضاء نهائيا على شتّى أنواع العنف، لأن العيش بكرامة لن يتم إلا بمحاربة "الحفرة" والفساد والرشوة والتهميش والمحسوبية... وهي كلها مظاهر فاسدة تؤدي إلى تنامي العنف الذي نعيشه اليوم، والذي يراد للدولة أن تدخل من جديد في دورة جديدة منه، تعيد رسم مآسي التسعينات، وتفتح المنافذ للمستفيدين منه لاستنزاف خيرات وثـروات البلاد، وتجرّ مرة أخرى المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، إلى مستنقع سيكلفها بذل تضحيات إضافية لاستعادة السلم الذي يمكن تحقيقه بوسائل أخرى، وشخصيا لا أشك لحظة في أن مؤسسة الجيش واعية تمام الوعي بحجم المؤامرة التي تستهدف البلاد، وأنه سوف لن تنزلق إلى فخّ المؤامرة، لأنها وبحكم تجربتها، تعرف من أين تهبّ رياح العنف الجديدة.